الشيخ محمد رشيد رضا
282
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقف عليه ليشاهد صناعته . وقد رد اللّه تعالى شبهتهم هذه بقوله ( 16 : 104 لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) فان ذلك الرومي لم يكن يعرف العربية وهذا الآن قد بلغ ببيانه فيها حد الاعجاز . وتتمة القول في هذا تراه في تفسير الآية الثانية من الآيتين اللتين افتتحنا بهما هذه المسألة . فعلم مما تقدم أن الرسل رجال من البشر في جميع الشؤون البشرية الفطرية ليسوا أربابا ولا شركاء لرب العباد في علم الغيب . ولا في تصرفه في تدبير أمر الخلق . فهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا ، ولا إيمانا ولا رشدا ، بل هم عبيد للّه سبحانه كسائر عباده ، ولكنه أكرمهم بسلامة الفطرة واختصهم بعلم أوحاه إليهم وأمرهم أن يبلغوه لأقوامهم ليهتدي به المستعد منهم للهداية وتحق الكلمة على الجاحدين والمعاندين ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) وقد بين للناس أن ما يؤيدهم به من الآيات ليس في استطاعتهم ولا من مقدورهم لان سنة اللّه تعالى في قدرتهم كسنته في سائر البشر كما أن سنته في علمهم كذلك . فلا الوحي الذي اختصهم به من كسبهم واستنتاج عقولهم ، ولا الآيات المثبتة له من عملهم . تأمل قوله تعالى لخاتم الرسل ( 35 وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) وراجع تفسيرها في ( ص 380 ج 7 ) وتأمل أمره إياه بأن يبين للناس أنه ليس عنده خزائن اللّه ولا علم الغيب وأنه ليس ملكا وحصر خصوصيته باتباع وحي ربه في الآية ( 50 ) التي أشرنا إليها آنفا وأمره في الآية التي بعدها بالانذار ثم تدبر بعد هذين الامرين ما نهاه عنه وما أمره في شأن معاملة فاء المؤمنين السابقين وسائر المؤمنين في الآيات ( 51 - 55 ) وقارن فيها بين قوله في الآية 35 ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) وقوله في آية ( 52 ) ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) تعلم الفرق بين مقام الربوبية ومقام عبودية النبوة . ويقابل هذا النهي عن طرد فاء المؤمنين إجابة لاقتراح الأغنياء المتكبرين قوله تعالى في معاملة هؤلاء المشركين ( 70 وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ هزوا و لَعِباً ) الخ وسيأتي شيء من بيان سنن اللّه تعالى في الرسل وأقوامهم عند الإشارة إلى ما في السورة من بيان السنن الإلهية العامة في الخلق